أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
88
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
« يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ » معترضا . قوله : لا جَرَمَ . في هذه اللفظة خلاف بين النحويين . ويتلخص ذلك في خمسة أوجه : أحدها : وهو مذهب الخليل وسيبويه وجماهير الناس ، أنهما ركبا من « لا » النافية ، و « جَرَمَ » ، وبنيا على تركبهما تركيب خمسة عشر ، وصار معناهما معنى فعل ، وهو « حق » ، فعلى هذا يرتفع ما بعد لا بالفاعلية ، فقوله تعالى : « لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ » « 1 » ، أي : حق وثبت كون النار لهم أو استقرارها لهم . والوجه الثاني : أن « لا جَرَمَ » بمنزلة : « لا رجل » في كون « لا » نافية للجنس ، و « جَرَمَ » اسمها مبني معها على الفتح ، وهي واسمها في محل رفع بالابتداء ، وما بعدها خبر « لا » النافية ، وصار معناها : لا محالة ولا بد . الثالث : كالذي قبله ، إلا أنّ « أنّ » وما بعدها في محل نصب أو جر بعد حذف الجار ، إذ التقدير : لا محالة في أنهم في الآخرة أي : في خسرانهم . الرابع : أنّ « لا » نافية لكلام متقدم تكلم به الكفرة ، فردّ اللّه عليهم ذلك بقوله : لا ، كما يرد « لا » هذه قبل القسم في قوله « لا أُقْسِمُ » * وقوله تعالى : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ، وقد تقدم تحقيقه ، ثم أتى بعدها بجملة فعلية وهي جرم أنّ لهم كذا ، وجرم فعل ماض معناه كسب وفاعله مستتر يعود على فعلهم المدلول عليه بسياق الكلام . و « أنّ » وما في حيزها في موضع المفعول به ، لأن « جَرَمَ » يتعدى إذ هو بمعنى كسب ، قال الشاعر : 2667 - نصبنا رأسه في جذع نخل * بما جرمت يداه وما اعتدينا « 2 » أي : بما كسبت ، وقد تقدم تحقيق ذلك في المائدة « 3 » ، وجريمة القوم كاسبهم . قال الشاعر : 2668 - جريمة ناهض في رأس نيق * ترى لعظام ما جمعت صليبا « 4 » فتقدير الآية : كسبهم فعلهم أو قوله خسرانهم ، وهذا قول أبي إسحاق الزجاج ، وعلى هذا فالوقف على قوله « لا » ، ثم يبتدأ ب « جَرَمَ » ، بخلاف ما تقدم . الوجه الخامس : أن معناها لا صد ولا منع . ويكون « جَرَمَ » بمعنى القطع ، تقول : جرمت أي : قطعت ، فيكون « جَرَمَ » اسم « لا » مبني معها على الفتح كما تقدم . وخبرها « أنّ » وما في حيزها أو على حذف حرف الجر ، أي لا منع من خسرانهم فيعود فيه الخلاف المشهور . وفي هذه اللفظة لغات : لا جرم بكسر الجيم ، ولا جرم بضمها ولا جر بحذف الميم . ولا ذا جرم ، ولا أنّ ذا جرم ولا ذو جرم ، ولا عن ذا جرم ، ولا أن جرم ، ولا عن جرم ، ولا ذا جر واللّه لا أفعل ذلك . وعن أبي عمرو « لا جرم أنّ لهم النّار » على وزن لا كرم يعني بضم الراء ، « ولا جر » . قال حذفوه لكثرة الاستعمال كما قالوا : سوترى يريدون : سوف . وقوله : هُمُ الْأَخْسَرُونَ يجوز أن يكون « هُمُ »
--> ( 1 ) سورة النحل ، آية : ( 62 ) . ( 2 ) البيت في البحر المحيط ( 5 / 213 ) ، القرطبي ( 9 / 20 ) ، روح المعاني ( 12 / 33 ) ، والشاهد فيه مجيء جرم بمعنى كسب . ( 3 ) أنظر آية : رقم ( 2 ) . ( 4 ) البيت لابن خراس الهذلي أنظر ديوان الهذليين ( 6 / 133 ) ، شرح أشعار الهذليين ( 3 / 1205 ) ، البحر المحيط ( 5 / 213 ) ، اللسان « جَرَمَ » والنبيق أرفع موضع في الجبل .